سينما يشيلكام التركية


سينما يشيلكام التركية


شريف عوض
تسحر فنون السينما كبار المخرجين منذ شبابهم بل منذ طفولتهم تماماً مثلما شهدنا في فيلم "شينما باراديزو" أو "فردوس السينما" الذي أخرجه وكتبه الإيطالي "جوسيبي تورناتوري" عام (1998) حيث صاغ قصة مخرج إيطالي كبير يعود لقريته الصغيرة في جزيرة  صقلية فيبدأ في استرجاع سنوات طفولته وحبه لمشاهدة الأفلام المختلفة داخل الصالة الصغيرة والوحيدة هناك. وبالطبع لم يكن سيناريو هذ الفيلم الرائع سوى استيحاء من طفولة "تورناتوري" نفسه والتي عكس جوانب أخرى منها في أفلامه التالية "باريا" ومالينا".
أما المخرج الشاب التركي الأصول "جيم كايا" فلدية خلفية سينمائية تشبه قصة حياة "تورناتوري" وفيلمه "شينما باراديزو" لكنه اختار أن يقدم فيلماً وثائقياً عن السينما التي تأثر بها بدلاً من تقديم فيلماً عن سيرته الذاتية. فلقد نشأ "كايا" في ألمانيا التي هاجر إليها مع والديه ثم تربى في طفولته وشبابه على مشاهدة الأفلام التركية التي كانت توزع آنذاك على شرائط الــ VHS فكان يستأجرها من نوادي الفيديو التي كانت تقام أحياناً في زاوية خاصة داخل محال البقالة التركية في المدن الألمانية . لاحظ "كايا" منذ ذلك الوقت حتى أصبح فيما بعد مونتيراً فمخرجاً وثائقياً كيف كانت أفلام السينما التركية المصنوعة في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين الماضي تفتقر إلى الحبكة الدرامية والتقنية وكيف كان يغلب عليها العنف الشديد أو الميلودراما المبالغ فيها وكيف كانت تقلد الأفلام الأمريكية بطريقة قد تثير الضحك أحياناً. ورغم ذلك، لم يستطيع "كايا" إلا مشاهدة المزيد والمزيد منها حتى قرر بعد أن أصبح سينمائياً محترفاً أن يصنع فيلمه الوثائقي Remake, Remix, Rip-Off لتأريخ هذه الفترة وأفلامها التي كانت تسمى سينما Yeşilçam نسبة لشارع "يشيلكام" الذي يقع في منطقة "بيوغلو" بالعاصمة "اسطنبول" حيث عاش في ذلك الشارع السينمائيون والنجوم من أبناء تلك الفترة. يشرح الفيلم من خلال لقاءات سريعة تصويرها مع صناع هذه الأفلام من منتجين ومخرجين وممثلين تتخللها مشاهد متعددة من هذه الأفلام التي توضح كيف افتقرت سينما "يشيلكام" إلى كل من السيناريو المبتكر والإمكانيات المادية من أجل صناعة مشاهد حركة ومطاردات بشكل أفضل مما كانت تظهر عليه. إذ كان المخرجون وكتاب السيناريو يقبعون على إعادة صنع الأفلام من جميع أنحاء العالم  وليس من هوليوود فقط فظهرت النسخ التركية من طرزان، دراكولا، ساحر أوز، طارد الأرواح الشريرة، رامبو، سوبرمان، حرب النجوم، جيمس بوند، فلاش جوردون، زورو وغيرها الكثير حيث كان يتم تكييف هذه الإعادات بميزانياتها المنخفضة حسب هوى الجمهور المحلي في المناطق النائية الريفية بالأناضول. ولم تنتهي صناعة هذه النوعية من الأفلام إلا مع انتشار التلفاز داخل تركيا في منتصف السبعينيات وخاصة لأن بنية صناعة السينما التركية "يشيلكام" ضعيفة من الناحية المالية والهيكلية. فلم تكن هناك معاهد للسينما، أو معامل لتحميض وطباعة الأفلام كما هو عليه الآن وكانت المعدات المستخدمة قديمة ومتهالكة. أضف إلى ذلك تعرض الأفلام لرقابة قاسية. ورغم ذلك، كانت السوق مفتوحة ولها احتياجاتها فما كان على المخرجين وكتاب السيناريو إلا تلبية الطلب بإعادة نفس الأنماط مراراً وتكراراً مثل قصة حب الشاب الفقير والفتاة ثرية، أو الشقيقين اللذين افترقا بعد الولادة أو الريفي الساذج القادم إلى المدينة الكبيرة. وعندما كانوا يصلون لطريق مسدود، كانوا يستفيدون من عدم وجود قوانين لحقوق المؤلف فكانوا "يقتبسون" من الأفلام الهندية والأوروبية والأمريكية ليس فقط قصصها بل أحياناً كثيرة موسيقاها التصويرية . ضمن لقاءات الفيلم، يظهر المخرج التركي" شتين إنانش" ليروي كيف كان مقبلاً على إخراج فيلم الخيال العلمي "الرجل الذي أنقذ العالم" عام 1982 بطولة نجم أفلام الحركة آنذاك "جونيت أركين" لكن الميزانية لم تسعفه لعمل المؤثرات البصرية فما كان عليه سوى رشوة أحد عمال دور العرض ليمكنه من قص بعض مشاهد سفن الفضاء من نسخة الفيلم الأمريكي "حرب النجوم" الموجودة في كابينة العرض ليقوم بإضافتها في فيلمه. ويستطرد"إنانش" ليروي كيف تمت دعوته في جامعة كولومبيا بنيويورك ليتحدث عن هذا الفيلم بالذات أمام مئات من دارسي السينما الذين كانوا يسألونه بشغف عن كيفية صناعة أفلامه.
بدأت سينما "يشيلكام" في الزوال بسيطرة الفيلم الأمريكي على دور العرض إبان بداية الثمانينات . ولم ينقذها آنذاك تقديم بعض الأفلام الغنائية لكبار المطربين والتي سميت "دراما الأرابيسك" فأغلقت دور عرض كثيرة كانت تعرض الفيلم التركي وبدأت الشاشات المتعددة في الظهور مع أجيال جديدة واتجاهات سينمائية أكثر نضجاً. وكما ذكرنا أنه نظراً لعدم وجود هيكل تنظيمي داخل صناعة  "يشيلكام"، فقدت العديد من الأفلام ونسخها "النيجاتيف" لأسباب مختلفة من سوء التخزين أو الحوادث كما بيعت حقوقها بثمن بخث إلى شركات ألمانية
استغرقت صناعة هذا الفيلم الوثائقي سبع سنوات من عمر مخرجه "جيم كايا" التقى فيها مخرجي ونجوم هذه الأفلام كما شاهد مئات الأفلام التركية ليولف لقطاتها مع   المقابلات التي أجراها مع عشرات من مخرجين وممثلي وممثلات هذه الحقبة.