مهرجان سان سباستیان: "البحث عن الحریة"



البحث عن الحریة


شريف عوض

ليس "البحث عن الحرية" عنواناً لفيلم يروي صراع بلد من بلدان العالم الثالث أو نضال شعب ثائر ضد ديكتاتور مهيب ... بل في الواقع، هو وثائقي من تأليف وإخراج جون لونج خلفاً لفيلمه "إكستريم" أو "الحد الأقصى" الذي حقق نجاحاً ملحوظاً على كل من المستوى النقدي والجماهيري عندما عرض عام 1999 على شاشاتIMAX  فحقق 27 مليون دولار في شباك التذاكر العالمي. ومنذ ذلك الحين، قبع "جون لونج" على إنتاج وإخراج أفلام وثائقية لشركات مثل ديزني، ناشيونال جيوغرافيك، PBS وإنترتينمت وان حتى أسس مؤخراً شركته التي أسماها "إيرث نيتوورك" أو "شبكة الأرض" التي ستتخصص في إنتاج أفلام حول العالم حول أبطال الرياضات الخطرة المتحدية لظروف الطبيعة من تزلج على أمواج المحيط أو على الجليد أو القفز من قمم الجبال أو أداء الحركات الصعبة بالسيارات والدراجات البخارية. لنوعية هذه الأفلام، ينتمي فيلم "البحث على الحرية" الذي يشاهد بشكل أفضل عندما يعرض على شاشات سينما 3D  أو تليفزيونات مشابهة ثلاثية الأبعاد المجسمة. لكن الفيلم لا يعتمد على إبهار الحس البصري لدى المشاهد فحسب بل يركز المخرج "جون لونج" على القصص الإنسانية وراء هذه الغريزة الأساسية الباحثة عن الأدرينالين في أعماق الطبيعة. وقد عرض الفيلم مؤخراً في الدورة السابعة والستين من "مهرجان سباستيان الإسباني فوجدناه لا يقتصر الفيلم أيضاً على مقابلة الرياضيين المعاصرين الممارسين لهذه النوعية من الرياضات بل أيضاً يرجع إلى الوراء في نوستالجيا سينمائية ليلتقي بالمخرج السينمائي الأمريكي "بروس براون" الذي كان أول من وثق لمثل هؤلاء المحترفين وأرقامهم القياسية من خلال فيلمه "صيف بلا نهاية" الذي عرض عام 1966 فحقق نجاحاً كبيراً في ذلك الحين، مستولياً على خيال شباب الجماهير وأحلامهم للتميز والبطولة.
نجح المخرج "جون لونج" من خلال فيلمه "البحث عن الحرية" في استكشاف القصص الإنسانية وراء هذه الظواهر الرياضية ومدي تأثيرها على الثقافة الشعبية من خلال الولوج داخل عقول هؤلاء الرياضيين المحبين للتولج فوق الجليد أو الخرسانة أو ركوب الدراجات البخارية داخل الغابات المطيرة. من الرياضيين الذين رأيناهم وهم يتحدثون للمرة الأولى في فيلم وثائقي، متسلق الجبال والصخور "رون كوك" (56 عاماً) الذي صرح مازحاً أنه لولا ممارسته للتسلق، لانتهى به المطاف هو وأقرانه وراء قضبان السجن. والسبب أن "كوك" يقتطع من وقته الكثير في تعليم شباب المراهقين في الإصلاحيات وبعض المساجين كيفية تسلق جبال "يوسمايت" التي ألهمته عندما كان شاباً مثلهم، لعله يكون سبباً في إصلاح ما تبقى من عمرهم. وفي الواقع، يتأثر العديد من الأشخاص العاديين الذين يشاهدون فيلماً مثل "البحث عن الحرية" أو يلتقون بشخص مثل "رون كوك" فيتحلون لممارسة هذه الرياضات الخطرة وتصوير أنفسهم ""Selfie أو بكاميرات PoV (كاميرات وجهة نظر الرائي   Point of View Cameras) في محاولة لتجسيم مثل هذه التجارب المثيرة والفريدة في العيش داخل المغامرات الفعلية.
كمخرج لفترة طويلة في صناعة الأفلام الرياضية، استطاع "جون لونج" ضغط رحلات هذه الشخصيات الرياضية وممارساتهم الرياضية في 90 دقيقة دون الاعتماد على تعليق أو راوي لأن الصورة تتحدث قبل حوارات الرياضيين عن أنشطتهم وإنجازاتهم وهو ما يحسب للفيلم في توثيقه لرياضات غير معروفة لبعض المشاهدين على التزلج على الجليد وركوب الدراجات الجبلية وركوب الأمواج. لقد أصبح التصوير بطريقة 3D أسهل من التصوير بكاميراتIMAX  الضخمة صعبة الحركة فأصبح للمخرج فريق عمل أقل عدداً متحركاً بسرعة بين مختلف مواقع التصوير فمثلاً عندما كان "لونج" يقوم بالتصوير على الشاطئ الشمالي من "أواه"، توارد له أن ظروف ركوب الأمواج كانت أفضل في "ماوي"، ولذلك توجه هو وفريق العمل على الفور إلى المطار، حتى وصلوا إلى "ماوى"، واستأجر طائرة هليكوبتر خلال ساعتين من مكان لمكان، ومن بطل إلى بطل آخر جزيرة أخرى. ولا ننسى أن اصطحاب المخرج لهؤلاء الأبطال أثناء ممارستهم لرياضاتهم الخطرة على الموجات العالية والجبال الشاهقة لا يخلو من المخاطر فكم من ممثل أو مصور أو دوبلير قد أصيب أو لاقى حتفه أثناء عمله في فيلم سينمائي وثائقياً كان أو روائياً. ولذلك يفضل "لونج" رياضة ركوب الأمواج في التصوير حيث المتعة مع الأمواج والمياه تماماً مثلما يقول أحد الأبطال "وارن ميلر" في الفيلم "إذا كنت تحب ما تفعله، لا يعتبر ذلك عمل بل إنها متعة!"