حدث ذات حلم: الوسترن الأخير





شريف عوض

تضمنت نوعيات أفلام الوسترن أو الغرب الأمريكي تلك النوعية الفرعية المسماة "السباغيتي وسترن"، وهي تلك المجموعة من أفلام الوسترن التي تم إنجازها في إيطاليا وإسبانيا، أي في صحراء أوروبا وليس في الولايات المتحدة، أثناء فترة الستينيات من القرن العشرين الماضي فحققت مبيعات كبيرة في شباك التذاكر حول العالم. ساهم المخرج الكبير الإيطالي "سيرجيو ليوني" في حفنة من أفلام "السباغيتي وسترن" هذه، التي حققت الشهرة الكبرى والخلود الدائم مثل "ثلاثية الدولارات" بطولة كلينت ايستوود و"حدث ذات مرة في الغرب" بطولة هنري فوندا وتشارلز برونسون وكلوديا كاردينال.
مخرج معاصر شاب تخصص في عمل الأفلام الوثائقية، مسقط رأسه بلغاريا، لم يستطع مقاومة تأثره بهذه النوعية الكلاسيكية رغم زوالها من ساحة الإنتاج السينمائي فقرر أن يسافر إلى بلدة صغيرة كانت يوماً ما هي موقع التصوير الخارجي الرئيسي لهذه الأفلام منذ حوالي نصف قرن. المخرج هو "تونيزلاف هريستوف" الذي كان قد قدم من قبل الفيلم الوثائقي "ثروة العائلة" في عام 2009 ثم أعقبه بأفلام وثائقية أخرى هي "قواعد حياة الوحدة"، "قصص غذاء الروح" و"الحب والهندسة". وقد عرض هذا الفيلم الأخير في مهرجان تريبيكا السينمائي بنيويورك دورة 2014.
إذن سافر "هريستوف" إلى البلدة الأندلسية "تابيرناس" لتصوير فيلمه الوثائقي "حدث ذات حلم: رحلة إلى فيلم السباغيتي وسترن الأخير" حيث التقى هناك بالعديد من سكان هذه البلدة الذين يعيشون هناك لكنهم لا يزالون أسرى سحر أفلام الغرب فيقضون أيامهم ولياليهم حالمين أن يعود فريق عمل فيلم "سباغيتي وسترن" للتصوير بين أنحاء بلدتهم المنعزلة في وسط الصحراء مستغلاً أجوائها الطبيعية. تقع تابيرناس في صحراء جنوب إسبانيا، وهو المكان الذي كانت قد اعتادت عليه ليس فقط فرق عمل "السباغيتي وسترن" بل أتى إليه كبار نجوم ومخرجي هوليوود لتصوير أفلام عرضت في جميع أنحاء العالم لتصبح جزءاً من تاريخ السينما الذي لن ينسى. فعلى سبيل المثال لا الحصر: صور في تابيرناس مشاهد من أفلام مثل ملك الملوك، كليوباترا، لورانس العرب، وإنديانا جونز والحملة الصليبية الأخيرة. إذن يوما ما ً، مرت من هناك إليزابيث تايلور، وأيضاً هاريسون فورد، كلوديا كاردينال، شون كونري، ستيفن سبيلبرغ وعشرات من الأسماء الشهيرة الأخرى في تاريخ السينما. يحصر الفيلم كيف أن سكان هذه البلدة وأجيالها المختلفة عاشوا في منطقة شفق خاصة بهم بين الواقع والسينما. إذ أن بعضهم وبعض أهليهم قد لعبوا أدواراً ثانوية صغيرة في الأفلام التي مرت بالمدينة، كما أن بعضهم حتى الآن يعملون في متحف السينما الخاص بالمدينة أو يمثلون في العروض الحية التي تؤدى أمام السياح الزائرين لإعادة إحياء لحظات أو شخصيات سينمائية بعينها تماماً مثل نظائرهم في ديزني لاند واستوديوهات يونيفرسال بالولايات المتحدة. الحياة في هذه البلدة كما يصورها المخرج كأنها فيلم لا ينتهي أبداً. لكنه مع مرور الوقت، وتفاقم الأزمة الاقتصادية في إسبانيا بشكل عام، فقدت البلدة ما فيها من سحر كما فقد بعض مواطنيها وظائفهم فأغلقت المزارات والحانات وبعض الشركات المحلية الصغيرة. حفنة من الرجال الذين تقدموا في العمر قرروا التقاعد أما الشباب فيفضل الجلوس على النواصي ليحلق في المارة. لا يكاد يكون هناك أي عمل بأجر لائق، فقليل من السياح يمرون بالبلدة، ولا توجد استثمارات مستقبلية.
وإذ فجأة، تطير شائعة في أرجاء البلدة تبعث آمال كل هؤلاء بل تبث فيهم الروح من جديد. الكل يتحدث على قرب قدوم فريق عمل سينمائي لتصوير فيلم سباغيتي وسترن جديد بطولة كلوديا كاردينال التي ستعود هي الأخرى إلى البلدة. لعدد قليل من الناس تتجلى هذه الفرصة الجديدة للهروب من الواقع الصعب لحياتهم اليومية. فبعض العاملين في متحف السينما الخاص بالبلدة بدأوا بحلم الانضمام إلى فريق عمل الفيلم وراء الكواليس سواء في الإنتاج أو مع الكهربائيين أو النجارين. رجل آخر في منتصف العمر، يشبه كثيراً النجم الراحل  جاك بالانس،  تعاوده الأحلام أن يؤدي مشهداً أمام كاردينال. ويبدو أنه لا يزال يتخيلها تلك المرأة الشابة الجميلة التي أغوت كل من هنري فوندا وتشارلز برونسون في فيلم "حدث ذات مرة في الغرب" عام 1968. أما "بيبي نوفو"، فهو ممثل تارة ومؤدي للمشاهد الخطرة أي "دوبلير" تارة أخرى. لكن قصته التي يرويها هي أكثر طزاجة وشغفاً. فهو يعتقد أنه ابن هنري فوندا غير الشرعي وذلك بناءاً على قصة روتها له أمه. فحسب قولها إن “فوندا" قد وقع في غرامها فأقام علاقة سرية معها أثناء تصويره لفيلم "حدث ذات مرة في الغرب". لكن العلاقة انتهت بعودة فوندا إلى الولايات المتحدة بعد انتهاء تصوير مشاهد الفيلم وظل السر معها حتى حملت وأنجبت "بيبي" الذي اصطحبته يوماً إلى دار العرض ليشاهدا فيلماً بطولة "هنري فوندا" فأشارت الأم إلى شاشة العرض وقالت له "هذا هو أبوك" .. وهكذا، وحتى الآن، لا يزال "بيبي" يظهر بنفس الزي الذي ارتداه فوندا في فيلم "حدث ذات مرة في الغرب": قميص أسود وبنطلون أسود وقبعة سوداء مع سوالف كبيرة تغطي معظم وجهه.
" الوسترن الأخير" فيلم باسم ومؤثر في آن واحد إذ يبين لنا كيف للسينما أن تؤثر في الناس العاديين إلى أقصى الحدود فتجعلها تعيش في منطقة بين الواقع والخيال. لكنه يظهر أيضاً كيف يمكن لصورة نجم من النجوم الكبار مثل ايستوود، برونسون، فوندا وكاردينال أن تبقى جميلة وشابة للأبد كلما شاهدنا أفلامهم مراراً وتكراراً. حقاً إن السينما صور متتابعة متحركة لكنها تثبت من عجلة الزمان.