مهرجان قبرص للأفلام القصيرة 2015

ISFFC

شريف عوض

قبل أن تتم دعوتي لزيارة جزيرة قبرص لأول مرة كعضو لجنة تحكيم في الطبعة الخامسة من مهرجانها الدولي للأفلام القصيرة (ISFFC) والتي أقيمت في الفترة من 17 إلى 23 أكتوبر الماضي برعاية وتنظيم وزارة الثقافة القبرصية، كنت قد شاهدت هذا العام عدة أفلام قبرصية من بينهم الفيلمان الوثائقيان الطويلان "انحسار الحدود" و" الأيام المحبوبة" اللذين تناولتهما في مقالتين سابقتين على موقع "الجزيرة الوثائقية".  ولذلك اعتبرت هذه الزيارة فرصة لاستكشاف ما تبقى من الأفلام القبرصية المعاصرة حيث إن هذا المهرجان قد بدأ كمسابقة محلية لشباب المخرجين القبرصيين عام 2000 ثم أصبح مهرجاناً دولياً ذات مسابقة محلية ودولية منذ خمس سنوات تديره المخرجة القبرصية ورئيس نقابة المخرجين القبرصيين "ألكسيا رويدر" والتي فازت عن فيلمها القصير "ستيكس" بالعديد من الجوائز منها جائزة الروح المستقلة في مهرجان موناكو السينمائي الدولي 2008. ولدت "رويدر" في ألمانيا حيث درست في جامعة "كاسل" ثم واصلت تعليمها في جامعة الفنون بلندن. ومنذ عام 1998، كانت تعمل في إخراج إعلانات تلفزيونية، وأفلام دعائية للشركات، وأفلام وثائقية.
ترأست لجنة التحكيم "فيبي كيوريا"، المدير الفني لمختبر مايشا السينمائي بشرق أفريقيا والمخرج "برونو كوبولا"، ابن شقيق المخرج الكبير "فرانسيس فورد كوبولا"، والذي عاش منذ فترة -أي "برونو"- في لندن كما ينهي الآن مونتاج فيلمه الجديد. أيضاً ضمت اللجنة   المخرج القبرصي "سيمون فرمكاس" الذي عرض فيلمه القصير "مطار للبيع" في المهرجانات السينمائية المهمة في روما، أوبرهاوزن، سيول، ولوس أنجليس. أما العضوة الرابعة فكانت "تيريزا كوونج"، مدير مركز "هونج كونج" للفنون.
ما يميز الأفلام القصيرة بشكل عام هو وطأها السمعية البصرية القوية على المشاهد في مساحة زمنية قصيرة وهذا ما أحسسناه أثناء وبعد عروض كل فيلم من السبعين فيلماً الذين تنوعوا ما بين الروائي والوثائقي والتحريك لكننا سنخصص المقال على عرض أهم الأفلام الوثائقية. فمن هولندا، عرض فيلم "جيوفاني والباليه المائي"  Giovanni and the Water Balletللمخرجة " أستريد بوسنك" التي تناولت فيه قصة طريفة لطفل يدعي "جيوفاني" ويبلغ من العمر حوالي عشر سنوات. أما عن حلمه: فأن يكون أول طفل صغير يقبل في المنافسة على البطولة الهولندية للباليه المائي على الرغم من أنها رياضة تمارس في معظم الأحيان من قبل الفتيات الصغيرات. تميز الفيلم بالطرافة في عرض تمارين الطفل الصعبة من ناحية وعلاقته مع صديقته الطفلة وطريقة محادثتهما كأنهما من البالغين من ناحية أخرى. ودل ذلك أن الفيلم ينتمي إلى نوعية الدوكودراما أي الوثائقي الذي يحوي على بعض المشاهد التمثيلية الموجهة إخراجياً أو مشاهد المحاكاة.
من الدانمرك، شاهدنا "أبناء آبائنا"  Our Fathers' Sunإخراج" أولاء سالم " وهو مخرج وكاتب شاب ترعرع في "كوبنهاجن" لكنه كان يشعر بمعاناة والده العربي الحاصل على درجة الدكتوراه في التأقلم على المعيشة داخل المجتمع الغربي عندما هاجر إلى أوروبا. خلال ثماني دقائق هي مدة عرض الفيلم، نجح المخرج في تسريع الإيقاع ليرتفع من الصمت إلى الطاقة القصوى عندما يصبح سرده على شريط صوت الفيلم إلى أغنية أداء "راب" غاضبة أمام الجمهور الدنماركي. وقد اقتسم الفيلمان جائزة أفضل وثائقي.
في فيلم "السيدة المسافرة"  Travelling Ladyاعتمدت الفنانة التشكيلية والمخرجة السينمائية الكولومبية المولد "جيسيكا  ميتراني" على مزج تكنيك التحريك والفوتوغرافيا والرسم لعرض القصة الحقيقية للشابة نيللي بلاي، الصحفية الأمريكية التي عاشت أواخر القرن التاسع عشر وقررت تحدي رئيس تحريرها والعالم بأن تقطع رحلة حول العالم في 72 يوماً بدون أمتعة إلا بعض الملابس في حقيقة صغيرة حملتها على ظهرها. قامت بأداء دور "نيللي" في صور خاطفة الممثلة والموديل الأسبانية "روسي دي بالما" المعروفة بكونها إحدى النجمات المفضلات لدى المخرج الأسباني الكبير "بيدرو ألمودوفار".
من فنلندا، عرض فيلمRole  أو "دور" للمخرجين "جيني كانجاسييمي" و "إيلي توفونييمي" حيث تتابع الكاميرا لمدة 13 دقيقة بروفات أو Casting يدخله الممثل الشاب "لوري" الذي يجد نفسه بين المرشحين النهائيين الذين يتنافسون على دور رئيسي في فيلم روائي طويل. نرى كيف يقوم المخرج باعتصار "لوري" للحصول على أفضل أداء أمام الممثلة الأخرى التي تقوم بدور أمه رغم أن العملية في النهاية مجرد تقييم لأدائه في فيلم قد يلعب بطولته.
أما المخرج الإنجليزي "نك جوردان " فقد سافر إلى أيسلندا لتقديم الصراع بين الطبيعة والصناعة في الفيلم الوثائقي "المحطة الذرية" الذي يفضح تلوث البيئة الأيسلندية بعد إقامة منشآت صناعية للألمنيوم لتحقيق مكاسب اقتصادية. تميز الفيلم بشريط صوت يجمع قراءات من الماضي للشاعر الراحل "ويستيم هيو أودن" بصوته لروايته "رحلة إلى أيسلندا" ممزوجة مع صوت الناشط البيئي "عمر رجنرسون".